السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
227
مفاتيح الأصول
إليه لما اختلف فائدة ذلك ألا ترى أن قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم تناول هاهنا العقد والوطي وليس كذلك في قوله تعالى حرّمت عليكم الميتة بل المراد هاهنا غير المراد هناك وذلك أنه لا يمتنع أن يتعارف استعمال التحريم المعلَّق بالعين في الأعيان مختلفة بحسب ما جرت العادة فعلها في الأعيان من تحريم الأمهات الاستمتاع ومن تحريم الميتة الأكل لأن اللَّفظة الواحدة لا يمتنع أن يختلف المعقول بها بحسب اختلاف ما تعلَّق به ألا ترى أن النظر بالعين لا يعقل من النظر بالقلب فلما جاز أن يختلف من النظر بحسب اختلاف ما تعلَّق به من العين والقلب فكذلك في التحريم وليس لأحد أن يقول إذا كان المحرم من الأمهات غير المحرم من الميتة علم أن اللفظ لا يفيد إذ لو أفاد لاتفق ما يفيده في الموضعين أو يكون ذلك مجازا على ما مر في كلام أبي هاشم وذلك أن الذي يقال في ذلك أنه مجاز في اللَّغة وإن كان حقيقة في العرف كما يقول في الغائط والدّابة وما أشبههما انتهى والمعتمد عندي في المسألة هو القول الثاني وينبغي التنبيه على أمور الأوّل هل صار تعليق التحريم والتحليل بالأعيان حقيقة عرفية مما ذكروه من أن متعلَّقهما المنفعة المقصودة من الأعيان التي تعلَّقها بها من الأكل والوطي والآيتين المتقدمتين كما أن الدّابة صارت حقيقة عرفية في الخيل أو ذات القوائم الأربع أو لا بل الحمل على ما ذكر من باب ارتكاب أقرب المجازات والإضمارات بعد تعذر الحقيقة أيضا من العدة والمعارج والنهاية والمنية الأول ففي الأول الإجمال غير صحيح لأن التحليل أو التحريم وإن استحال تعلَّقهما بالأعيان فإنما ينصرف إلى الفعل الذي يصحّ أن يقع منا فقد صار بعرف الشرع يستعمل في الأعيان ويراد به الأفعال فيها وقد بيّنا أن الاسم إذا انتقل من أصل الوضع إلى عرف الشرع وجب حمله على ما يقتضيه عرف الشرع لأن ذلك صار حقيقة فيه ألا ترى أنه لو قال حرمت عليكم أمهاتكم لا يسبق إلى فهم أحد تحريم الذّوات وإنما يفهم من ذلك تحريم الوطي والعقد لا غير ولا فرق بين من دفع ذلك وبين من دفع أن يكون لفظة الغائط منتقلا عما وضع له في اللَّغة ويتوصل بذلك إلى أن قول القائل أتيت الغائط لا ينبئ عن الحدث المخصوص والمعلوم خلاف ذلك وإذا ثبت ذلك صار لفظ التحريم إذا علَّق بالعين فهم منه تحريم الفعل فيها فصار كفحوى الخطاب الذي يدلّ على الشيء وإن لم يتناوله لفظا ولا فرق بين من دفع الاستدلال بقوله تعالى ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما على تحريم ضربهما وشتمهما وفي الثلاثة الأخيرة بعد الإشارة إلى التّبادر الَّذي به تمسّكوا على ما صاروا إليه من البيان وسبق الذّهن والمبادرة إلى الشيء دلالة على كون اللَّفظ حقيقة فيه وزاد في الأخيرين فقالا وإن كان مجازا من حيث الوضع اللغوي إلا أنّه حقيقة من حيث العرف فلا يحتاج إلى الإضمار انتهى وربّما يظهر هذا من الإحكام أيضا ويظهر من الذّريعة الثاني فإنه قال وممّا ألحقه قوم بالمجمل وليس في الحقيقة كذلك قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وما جرى مجرى ذلك من تعليق التحريم بالأعيان وهذا غير صحيح لأن التعارف قد اقتضى في تعليق التحريم أو التحليل بالأعيان الأفعال كلَّها وصار ذلك بالعرف يجري مجرى تعلَّق الأملاك بالأعيان لأنهم يقولون فلان يملك داره وعبده وإنما يريدون أنه يملك التصرف فيهما ثم المفهوم من هذا التصرف ما يليق بالعين التي أضيف إلى الملك من استمتاع أو انتفاع وغير ذلك وإنما حملهم على هذا الحذف في الملك والتحريم والتحليل طلب الاختصار واستطالوا أن يذكروا جميع الأفعال ويعدّدون سائر المنافع فحذفوا ما يتعلَّق التحريم أو الملك به اختصارا ولا يمكن أحدا أن يقول إن إضافة الملك إلى الأعيان هو مجاز وغير ظاهر بل التعارف قد صار هو الظاهر فكذلك القول في التحريم والتحليل وأي منصف يذهب إليه إن قولنا الميتة محرّمة علينا أو الخمر طاهر وحقيقة وليس على سبيل المجاز انتهى وصرّح بهذا القول في المعراج أيضا وربما يظهر من جماعة وهو المعتمد لأنه لو كان حقيقة في ذلك للزم النقل وقد اعترف به الخصم ومن الظاهر أن الأصل عدمه ولأنه لو كان منقولا في العرف العام أو في عرف الشرع لاختص بفهم المعنى المذكور أهل العرف وأهل الشرع والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهر وأما بطلان التالي فللقطع بأن أهل اللغة والصدر الأول كانوا يفهمون من المفروض ما نفهمه منه فلم يكن المنشأ فيه اختلاف الوضع وتجدده فتأمل ولأنه لو كان منقولا لتبادر المعنى المنقول إليه ابتداء من غير سبق الذّهن إلى معنى آخر غيره والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهرة وأما بطلان التالي فللقطع بأن الذهن ينتقل بعد سماع ذلك إلى المعنى اللغوي الحقيقي ثم يلتفت إلى القرينة العقلية فيفهم المعنى الثاني كما في واسأل القرية وطويل النجاد ويد اللَّه فوق أيديهم ونحو ذلك غاية ما في الباب أن القرينة لازمة غير منفكة كما في يد اللَّه فوق أيديهم ومما ذكر بطل احتجاج الخصم المتقدّم إليه الإشارة فتأمل الثاني يظهر من المعظم أن المراد في قوله تعالى حرّمت عليكم الميتة تحريم الأكل وفي قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم تحريم الموطي والتزويج وهو المعتمد وعليه فلا يمكن التمسّك بالآيتين الشريفتين على حرمة جميع الانتفاعات من البيع والصّلح